الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
506
أنوار الفقاهة في أحكام العترة الطاهرة (كتاب النكاح)
النسخ لا يمكن من بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد أغلق باب الوحيّ ، والاجتهاد في مقابل النصّ لا معنى له ، وإلّا لجاز لكلّ أحد أن يجتهد برأيه في مقابل نصوص القرآن والسنّة النبوية ، فحينئذٍ لا يبقى للإسلام دعامة . وقد أجاب القوم عنه بأمور : أوّلها : أنّ عمر نفسه قال في رواية عمران بن سوادة : « إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أحلّها في زمان ضرورة ، ثمّ رجع الناس إلى السعة » « 1 » فإذا ارتفعت الضرورة ارتفعت مشروعية المتعة ، فهو من قبيل تبدّل الموضوع . ولكن لو كان ذلك صحيحاً ، لما أفتى فقهاؤهم بتحريمها إلى يوم القيامة . هذا مضافاً إلى أنّ آية المتعة مطلقة . نعم ، لا يبعد أن تكون حكمتها تلك ، ولكن هناك فرق بين العلّة والحكمة ، كما هو واضح . ثانيها : أنّه كان من الأحكام الحكومية التابعة للعناوين الثانوية ، فرأى عمر سوء أعمال بعض الناس بترك أزواجهم والإقبال على المتعة ، فحرّمها حفظاً لحريم النكاح الدائم ، كما أنّه منع متعة الحجّ ، وفرّق بين الحجّ والعمرة ؛ ليكون بيت اللَّه محلّاً لإقبال الناس حيناً بعد حين ، ومنع من قول : « حيّ على خير العمل » حتّى يحضر الناس ميادين الجهاد ، ولا يكتفوا بالصلاة . ويرد عليه - مضافاً إلى إمكان المناقشة في كلّ واحد من هذه الأمور - بأنّ جميع ذلك كان في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم تحصل منه مفاسد . ثالثها : ما ذكره بعض فقهاء العامّة : من أنّه كان الحكم قد نسخ على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وأخبر به عمر ، وأظهره في وقت معلوم . والمناقشة فيه واضحة ؛ فإنّه مخالف لصريح كلام عمر ، فإنّه قال : « أنا احرّمهما » وقال : « كانتا على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم » هذا مضافاً إلى أنّه لماذا لميخبر بها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أو أبو بكر ، أو هو في سنين من أيّام حكومته ؟ !
--> ( 1 ) . تاريخ الطبري 4 : 225 .